ابن كثير
426
البداية والنهاية
كلهم عن الحملة ، فلا قوة إلا بالله ، وجعل السلطان يحرضهم غاية التحريض ، فكلهم يمتنع كما يمتنع المريض من شرب الدواء . هذا وملك الانكليز قد ركب في أصحابه وأخذ عدة قتاله ، وأهبة نزاله ، واستعرض الميمنة إلى آخر الميسرة ، يعني ميمنة المسلمين وميسرتهم ، فلم يتقدم إليه أحد من الفرسان ، ولا نهره بطل من الشجعان ، فعند ذلك كر السلطان راجعا ، وقد أحزنه أنه لم ير من الجيش مطيعا ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . ولو أن له بهم قوة لما ترك أحدا منهم يتناول من بيت المال فلسا . ثم حصل لملك الانكليز بعد ذلك مرض شديد ، فبعث إلى السلطان يطلب فاكهة وثلجا فأمده بذلك من باب الكرم ، ثم عوفي لعنه الله وتكررت الرسل منه يطلب من السلطان المصالحة لكثرة شوقه إلى أولاده وبلاده ( 1 ) ، وطاوع السلطان على ما يقول وترك طلب عسقلان ، ورضي بما رسم به السلطان ، وكتب كتاب الصلح بينهما في سابع عشر شعبان ، وأكدت العهود والمواثيق من كل ملك من ملوكهم ، وحلف الامراء من المسلمين وكتبوا خطوطهم ، واكتفى من السلطان بالقول المجرد كما جرت به عادة السلاطين ، وفرح كل من الفريقين فرحا شديدا ، وأظهروا سرورا كثيرا ، ووقعت الهدنة على وضع الحرب ثلاث ( 2 ) سنين وستة أشهر ، وعلى أن يقرهم على ما بأيديهم من البلاد الساحلية ، وللمسلمين ما يقابلها من البلاد الجبلية ، وما بينهما من المعاملات تقسم على المناصفة ، وأرسل السلطان مائة نقاب صحبة أمير لتخريب سور عسقلان وإخراج من بها من الفرنج . وعاد السلطان إلى القدس فرتب أحواله ووطدها ، وسدد أموره وأكدها ، وزاد وقف المدرسة سوقا بدكاكينها وأرضا ببساتينها ، وزاد وقف الصوفية ، وعزم على الحج عامه ذلك ، فكتب إلى الحجاز واليمن ومصر والشام ليعلموا بذلك ، ويتأهبوا له ، فكتب إليه القاضي الفاضل ينهاه عن ذلك خوفا على البلاد من استيلاء الفرنج عليها ، ومن كثرة المظالم بها ، وفساد الناس والعسكر وقلة نصحهم وأن النظر في أحوال المسلمين خير لك عامك هذا ، والعدو مخيم بعد بالشام ، وأنت تعلم أنهم يهادنون ليتقووا ويكثروا ، ثم يمكروا ويغدروا ، فسمع السلطان منه وشكر نصحه وترك ما عزم عليه وكتب به إلى سائر الممالك ، واستمر مقيما بالقدس جميع شهر رمضان في صيام وصلاة وقرآن ،
--> ( 1 ) وقد ذكر رنسيمان أسبابا أخر هامة عجلت في تسريع المفاوضات ومنعت ريتشارد من كثرة المساومة : - مرضه الخطير ، - ما ارتكبه أخوه من أعمال سيئة في انكلترا تتطلب عودته العاجلة ، يضاف إلى ذلك ما حل بسائر الصلبيين من الارهاق ; وما أظهره كل من ابن أخته هنري والطوائف الدينية من أنهم لم يثقوا في سياسته ( تاريخ الحروب الصليبية 3 / 139 ) . ( 2 ) في الكامل 12 / 84 : ثلاث سنين وثمانية أشهر . وفي ابن خلدون 5 / 328 : أربعة وأربعين شهرا . وفي تاريخ الحروب الصليبية 3 / 39 : خمس سنين . وفي أبي الفداء : ثلاث سنين وثلاثة أشهر وقد جرى التوقيع على الهدنة أول أيلول - عشرين شعبان ، قال أبو الفداء في تاريخه : يوم الأربعاء 22 شعبان .